
في كواليس السينما المصرية في زمنها الذهبي، عاش الفنان عباس فارس تجارب طريفة ومواقف إنسانية لا تُنسى، تعكس روح ذلك الزمن وعمق العلاقة بين الفنانين والكاميرا والجمهور. كان فارس فنانًا حقيقيًا، لا يمثل الدور فحسب، بل يندمج فيه حتى آخر خفقة، حتى أن صرخته في فيلم نشيد الأمل أثناء مشهد الرصاص — رغم أن التصوير كان صامتًا — دوَّت في الاستوديو، فالتفت إليه المخرج بدرخان مستنكرًا، قبل أن يمازحه أحد الزملاء بقوله: “هو ده كان بيزعق؟ ده كان بيوشوش نفسه!”.
لم تكن مواقف فارس التمثيلية مجرد مشاهد تُؤدى، بل كانت لحظات واقع تتجاوز العدسة. ففي أحد الأفلام، أدى دورًا غاضبًا يهدد ويتوعد، أمام ممثلة كبيرة جاءت ومعها ابنتها الصغيرة. وبعد انتهاء التصوير، نظرت الطفلة إليه مرتجفة وسألت أمها: “هو ده يا ماما البعبع اللي بتخوفيني بيه؟ خلاص مش هاعيط تاني!”، لتتحول شخصية فارس من ممثل إلى أسطورة للخوف في خيال طفلة بريئة.
أما في كواليس استوديوهات التصوير، فكانت الفكاهة لا تغيب. ففي يوم طويل من العمل دون طعام، تناول فارس وجبة دسمة شعر بعدها بثقل، وطلب من الخادم أن يحضر له ملحًا إنجليزيًا. إلا أن أحد الزملاء اقترح ساخرًا: “خُد ملح عادي وقوم مثّل وهو يفور في بطنك!”. ضحكات متبادلة خففت وطأة التعب وأضفت على ساعات العمل نكهة إنسانية.
وفي فيلم البؤساء حين أدى دور جان فالجان وهو يلتهم فخذة لحم، اختفت طفلة مشاركة في العمل بعد المشهد، فقال أحد الحاضرين ممازحًا: “ما تدوروش.. يمكن عباس حلى بيها بعد الفخدة!”، لتتحول النكتة إلى طرفة متداولة في الوسط الفني.
أما في فيلم دنانير، وبينما كان فارس يواجه صعوبة في تحريك الجواد الذي ركبه للتصوير، نصحه زميله: “إشخط في الحصان يا عباس!”. وبينما ضحك فارس للفكرة، انطلق الحصان فجأة، ليعلق زميله بذكاء: “شفت؟ خوّفت الحصان بضحكتك!”.
وفي فيلم آخر، وبعد أن خضع فارس لماكياج جعله في هيئة مشوّهة ومرعبة وهو يستعد لمشهد زفافه على ماري كويني، سأله أحدهم ساخرًا: “انتي أمنتي على حياتك قبل ما تتجوزيه؟”.
حتى الجمهور لم يسلم من روح الدعابة؛ إذ تلقى فارس خطابًا من معجب اقترح أن يسجل صوته — المعروف بخشونته — في عبارات تهديد الليلية لتُبث في الحارات بعد منتصف الليل “لتهويش اللصوص”، أو أن يتطوع لتعليم رجال الشرطة فنون “الشخط”!
بين الفن والحياة، بقي عباس فارس صورة حية للفنان الذي جمع بين الأداء العميق والروح المرحة، فكتب اسمه في ذاكرة السينما والقلوب معًا.






